أحمد بن علي القلقشندي

189

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وإلى تلقائه صرفت ؛ ومنشؤها من حالتين : إمّا في موقف عزّ عندما تلمع بروق الصّفاح ، وتشيب من هول الحرب رؤوس الرّماح ، وتسرح جوارح النّبال لتحلّ في الجوارح وتصيد في الأرواح ؛ وإمّا في موطن سلَّم عندما تنبسط النفوس إلى امتطاء صهوات الجياد في الأمن والدّعة ، وتنشرح الصّدور إلى معاطاة الصّيود والمسرّات مجتمعة ، وتطلق البزاة فتصيد ، وتتصرّف بأمر الملوك الصّيد ، وترسل الحوامي الممسكة ، وتلقى على ما سنح من الوحش فلا ترى إلا مدركة ؛ وتفاض النّعم السّلطانية وتجزل مواهبها ، وتلوح العصابة الشّريفة وتنبعث مواكبها . وكان اللَّه تعالى قد جمع للمواقف الشّريفة ، المعظَّمة ، السّلطانية ، الملكيّة ، النّاصريّة ، خلَّد اللَّه سلطانها - سعادة الحالتين حربا وسلما ، وآتاه فيهما النّصر الأرفع والعزّ الأسمى ، ووسم بصدقاته وعزماته الأمرين وسما ، ونصره نعتا وعظَّمه سمعة وشرّفه اسما ، فأيّام حروبه كلَّها رفعة وانتصار ، واستيلاء واستظهار ، وقوة تحيا بها المؤمنون وتفنى الكفّار ؛ وأيّام سلمه كلَّها عدل وهبة ، وصدقات منجية منجبة ، ورفع ظلامات متشعبة ، وقمع نفوس متوثّبة ، وحسم خطوب مستدّة ، وحفظ الحوزة الإسلامية من كلّ بأس ووقايتها من كلّ شدّة ، وفي خلال كلّ عام تصرف عزائمه الشريفة إلى ابتغاء صيد الوحش والطَّير : لما في ذلك من تمرين النّفوس على اكتساب التّأييد ، وحصول المسرّة بكلّ ظفر جديد ؛ فيرسم - خلد اللَّه سلطانه - في الوقت الذي يرسم به من مشتى كلّ عام بإخراج الدّهليز المنصور فينصب في برّ الجيزة بسفح الهرم ، في ساعة مباركة آخذة في إقبال الجود والكرم ؛ فتمدّ بالتّأييد أطنابه ، وترفع على عمد النّصر قبابه ، ويحاط بحراسة الملائكة الكرام رحابه ، وتضرب خيام الأمراء حوله وطاقا ، وتحفّ به [ مثل ] ( 1 ) النّجوم بالبدر إشراقا ؛ ويستقلّ الرّكاب الشريف - شرّفه اللَّه - بعد ذلك بقصد عبور النّيل المبارك فيظهر من القلعة المحروسة والسّلامة تحجبه من المخافة ، والحراسة

--> ( 1 ) الزيادة يقتضيها السياق .